أشعر الناس ..
 
ربما سمع البعض عنها أو رآها تلك الأم المدرسة "خنساء العصر"، في ملتقى من ملتقيات حركة حماس أو في إحدى البرامج المبثوثة.
 
لست أريد الحديث عنها؟ وإنما راعني تسميتها بـ "خنساء العصر".
فلماذا "الخنساء" دون غيرها؟
 
قد كنت أقرأ في كتاب يتحدث عن نساء مسلمات وبطولاتهن وعلمهن وحكمتهن، فاستلطفت أدب ما سأنقل لكم. وقد كان مداره الخنساء.
 
الخنساء أم الشهداء
 
لما توجه المثنى بن حارثة الشيباني إلى القادسية ـ زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ كانت الخنساء ومعها أولادها الأربعة في رفقة هذا الجيش.
وهي تقول: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو: إنكم بنوا امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).
فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين، فاعدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عن احتدام حميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في الخلد والمقامة .
واستمع أولادها إلى تلك الوصية , وخرجوا من عندها قابلين لنصحها، عازمين على قولها.
فلما أضاء الصبح باكروا مراكزهم واندفعوا إلى لقاء العدو وهم يرتجزون
 
فقال أولهم:
يا إخوتي إن العجوز الناصحة  *** قــد نصـحـتنـا إذ دعــتنـا الـبارحـة
مـقــالـة ذات بيــان واضـحــة  *** فباكروا الحرب الضـروس الكـالحة
وإنـمـا تـلـقون عنـد الصائحـة *** مـن آل ســاســا ن الكلاب النابـحـة
قـد أيقنوا منكم بـوقع الـجائجـة *** وأنـــتـــم بـيــن حــيـــاة صــالـحـة
****أو ميتة تورث غنما رابحة ****
ثم تقد م فقاتل حتى قتل .
 
فحمل الثاني وهو يردد :
إن العــجـوز ذات حـزم وجـلد *** والـنـظر الأوفـق والـرأي السدد
قــد أمـرتـنـا بالــسداد والـرشد *** نـصـيـحـة مــنـها وبــرا بـالـولـد
فباكروا الحرب حماة في العدد *** إمــا لــفــوز بــارد عــلى الكــبـد
أو مـيـتـة تــورثـكم عـز الأبـد *** في جنة الفردوس والعيش الرغد
ثم تقدم وقاتل حتى استشهد .
 
فحمل الثالث وهو يقول :
والله لا نعصي العجوز حرفا *** قـــد أمــرتــنـا حــربـا وعـطـفـا
نـصـحـا وبـرا صادقـا ولطفا *** فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تـلـقـوا آل كـسرى لـفــا *** أو يـكشـفـوكم عـن حـماكم كشفا
إنا نرى التقصير منكم ضعفا *** والــقــتــل فـيـكـم نـجــدة وزلـفـا
ثم تقدم فقاتل حتى استشهد .
فحمل الرابع وهو يرتجز أيضا :
لــســت لـخـنـسـاء ولا لـلأخـرم *** ولا لـعـمـرو ذي الـسنـاء الأقـــدم ِ
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم *** ماض على الهول خضم خضرمي
إمـــا لــفــوز عــاجــل ومـغـنـم *** أو لــوفــاة في الـسـبـيـل الأكــرم
ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
 
ولما بلغ الخبر إلى الأم المؤمنة الصابرة، لم تجزع، ولم تندب، بل قالت قولتها المشهورة التي بقي التاريخ يرددها وسيرددها إلى ما شاء الله:
( الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ).
 
 
لمَ كانت الخنساء أشعر الناس؟ ليس لأن أحداً من أدباء الزمن المعاصر أو الزمن القديم قد رأى ذلك بعد دراسة لشعرها وشعر كل الشعراء العرب فخلص من ذلك إلى القول بأنها سيدة الشعر العربي. ولكن .. تعالوا نرى.
 
الخنساء أشعر الناس
 
لما قدم عدي بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحادثه فقال: يا رسول الله: إن فينا أشعر الناس، وأسخى الناس، وأفرس الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سَمِّهِم ".
فقال: أما أشعر الناس: فامرؤ القيس بن حجر.
وأما أسخى الناس: فحاتم بن سعد ـ يعني أباه ـ
وأما أفرس الناس: فعمرو بن معد بن يكرب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ليس كما قلت ياعدي، أما أشعر الناس: فالخنساء بنت عمرو. وأما أسخى الناس: فمحمد ـ يعني نفسه صلى الله عليه وسلم ـ  وأما أفرس الناس: فعلي بن أبي طالب".
 
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنشدها ويعجبه شعرها, وكانت تنشده وهو يقول : " هيه يا خناس ويومي بيده ".
 
من هي؟
 
و اسمها تماضر بنت عمرو , بن الحارث , بن الشريد .
كانت شاعرة شهيرة، تفجر الشعر على لسانها بعد فجيعتها بأخيها صخر في الجاهلية، فرثته رثاء حزينا جعل منها أعظم شاعرة للرثاء.
ومن أجمل قصائدها في صخر القصيدة التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوار *** أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار
ومن جميل ما قالته أيضا:
أعـينيَّ جـودا ولا تـجـمـدا *** ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل *** ألا تبـكيان الفتى السيدا
قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم، وأعلنت إسلامها وتبنيها لعقيدة التوحيد، وحسن إسلامها حتى أصبحت رمزا متألقا من رموز البسالة، وعزة النفس، وعنوانا مشرفا للأمومة المسلمة.
تميزت بشعرها حتى قيل فيها : لقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها ـ فقد كان لها مواقف نضالية رائعة في سبيل الذود عن الدين ونصرة الحق، فخرجت في كثير من غزوات المسلمين، وصحبت جيوشهم الظافرة.
 
وكان عمر بن الخطاب يعرف فضل الخنساء وأولادها، فما زال يعطيها أرزاق أولادها الأربعة حتى قبض.
وتوفيت الخنساء بالبادية في أول خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 24 هـ .
 
 
لقد كان ما سبق منقولاً عن (نساء حول الرسول)، في الكتاب الذي نقلت منه بتصرف.
 
أسأل الله عز وجل أن يجعل نساءنا كلهن خنساوات وأمهات للشهداء.
 


All-new Yahoo! Mail - Fire up a more powerful email and get things done faster.

رد على