معاجم مصطلحات الاقتصاد الإسلامي المعاصرة
مجلة الوعي الإسلامي
التاريخ: 2010-04-21
العددرقم: 531
كان
لهيمنة الاقتصاد الغربي الذي حرك وسار في خلفية حملات الغزو للبلدان الإسلامية في
العصر الحديث أثر كبير في سيادة قضاياه وتطبيقاته، وهو جزء مهم لازم في إطار قراءة
بعض أوجه الاضطراب والخراب الذي أصاب البنية الاجتماعية في البلدان الإسلامية.وهو
ما قاد كثيرا من أعلام الثقافة الإسلامية إلى أن يروا في غلبة النموذج
الاقتصادي الغربي وجها من وجوه التبعية، وأن الحركة نحو الاستقلال الحضاري تبدأ من
بيان مواز للاختلاف بين الاقتصاد الإسلامي وغيره، وأن يروا في صنع معجم لمصطلحات
الاقتصاد الإسلامي خطوة لابد منها في «السبيل إلى وضع لبنة في صرح الاستقلال
الحضاري لأمتنا، عندما يصنع وييسر للعقل العربي والمسلم سبل إدراك ما لحضارتنا من
خصوصية في المعاني والمضامين والمفاهيم في حقل الاقتصاد، فيسهم بذلك في تحرير
العقل
الاقتصادي من إسار التبعية وأسر التغريب»(1).
وهذه الرؤية ليست رؤية فردية دعا إليها إحساس مبهم بالخطر بل كان إحساسا مجمعا
عليه ،
يدلل على ذلك توصيات المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة
المكرمة في 21-26/2/1396هـ = 21-26/2/1976م الذي حرص على بيان أنه من المهم ترسيخ
مفاهيم الإسلام الاقتصادية التي ترى أن الكون كله لله وأن المال مال الله وأن
الإنسان مستخلف على ما تحته من نعم الله. وأن واحدا من سبل ترسيخ هذه المفاهيم
(2)«وضع
معجم لمصطلحات الاقتصاد الإسلامي بمختلف اللغات»
الإسهام المعاصر في خدمة مصطلحية الاقتصاد
الإسلامي
برز في هذا السياق ثلاثة معاجم هي كما يلي (مرتبة وفق تاريخ صدورها):
1- قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية د.محمد عمارة، طبعة دار
الشروق،
القاهرة - بيروت، سنة 1413هـ = 1993م في 636ص مع فهارس للمصطلحات.
2- معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، د.نزيه حماد، طبعة المعهد العالمي
للفكر الإسلامي، هيرندن - فيرجينيا، سنة 1414هـ= 1993م في 308ص مع تقديم د.طه جابر
العلواني مع فهارس للمصطلحات والمراجع.
3- مصطلحات الفقه المالي المعاصر: معاملات السوق، بتحرير وإشراف يوسف كمال محمد،
طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، سنة 1418هـ= 1998م في 285ص، مع
كشافات موضوعية، وفهارس هجائية وتقديم
أهداف معاجم مصطلحات الاقتصاد الإسلامي
المعاصرة
يدرك من يفحص مادة هذه المعاجم الاقتصادية أنها ظهرت لتحقيق عدد معين من الأهداف
المعرفية والعملية والحضارية، وهو ما ظهر من ثلاثة الأسماء الذين صنعوها، فهم
جميعا
أبناء بررة للفكرة الإسلامية، وأبناء بررة للاقتصاد الإسلامي.
وفيما يلي رصد لمجموعة من الأهداف التي حرصت هذه المعاجم على الوفاء بها، هي على
الإجمال:
أ- العناية بإظهار فارق ما بين طغيان البعد المادي على الحياة المعاصرة الذي ترسخه
مفاهيم الاقتصاد الوضعي وبين النظر إلى المال باعتباره مال الله الذي استخلف عبيده
في إدارته، وهذه العناية محاولة للانتصاف للاقتصاد الإسلامي ودعوة للتحول إليه في
التطبيقات المعاصرة.
ب- إعادة تقديم مفاهيم الاقتصاد الإسلامي عبر مصطلحاته للجماهير المعاصرة بعد أن
غيبتها أنظمة كثيرة تبنت نظريات اقتصادية غير إسلامية حتى غدت مبادئ الاقتصاد
الإسلامي تعاني الغربة في الأوطان المسلمة، ذلك أن المعاجم «في منظور إسلامية
المعرفة تعتبر من الأدوات الأساسية المساعدة في بناء النسق المفاهيمي في العلوم
التي تؤلف في مجالها» على تعبير د.طه جابر العلواني في تقديمه لمعجم المصطلحات
الاقتصادية للدكتور نزيه حماد (ص 16).
ج- إعادة بناء الجسور بين العلوم المعاصرة وامتداداتها التراثية بعد عمر من
القطيعة
المعرفية أو شبهها التي حاول الغزو الغربي صنعها في تاريخ الأمة الإسلامية
المعاصرة
عندما حرص في أنظمته التعلىمية وأنظمته الحاكمة التنفيذية على فصل الأمة عن
تاريخها
المعرفي بخصائصها المائزة وهو ما نجح في كثير من المواطن في تحقيقه حتى غدا القول
بحاجتنا إلى إعادة الكشف عن هويتنا أمرا صحيحا إلى أبعد الحدود.
د- تقديم نماذج عملية يمكن احتذاؤها والنسج على منوالها في كثير من الميادين
المعرفية التي عانت من مثل ما عانى منه الاقتصاد الإسلامي من التغريب والتشويه.
هـ- كسر حالة التبعية الحضارية في الميدان الاقتصادي عن طريق بيان استقلال النظرية
الاقتصادية الإسلامية.
و- إعادة تقديم المفاهيم الاقتصادية الإسلامية في صورة عصرية تيسر الإفادة من
الأدبيات الاقتصادية الإسلامية التراثية، وهو واحد من أهم أهداف المعجمية
الإسلامية
المختصة المعاصرة في الميادين المختلفة.
ز- المساعدة في تقديم تصور مترابط للحقول التي تشكل ميدان علم الاقتصاد عند
المسلمين بحيث تترابط هذه الحقول بفلسفة الإسلام الكبرى في تعبيد الكون لله، وبيان
أن الإنسان مستخلف في أرض الله سبحانه، وأن المال من ضمن ما لله سبحانه في الكون
وأن الإنسان مستخلف في هذا المال، وعلىه أن يديره وفق الضوابط التي شرعها الله
سبحانه.
ح- المساعدة - على المدى الطويل - في بناء مكنز لمصطلحات الاقتصاد الإسلامي
ولاسيما
بعد تقديم معاجم ترتيب مداخلها ومصطلحاتها وفق منهج موضوع دلالي، وليس هجائيا على
ما سوف نرى في معجم د.يوسف كمال رحمه الله تعالى.
ولا يصح هنا الاستشهاد بالجزء الذي تضمنه مكنز الفيصل (1415هـ= 1994م) عن مصطلحات
الاقتصاد الإسلامي، حيث ضم ثلاثمئة مصطلح فقط، وهو عدد قليل جدا عما يتوقع أن يضمه
مكنز لمصطلحات الاقتصاد الإسلامي، على ما يقرر د.هانئ محيي الدين عطية (3).
ط- المساعدة في دراسة شمول الشريعة الإسلامية عن طريق فحص المصطلحات الرحالة
المنتقلة إلى الاقتصاد الإسلامي من حقول معرفية مختلفة عقدية وعبادية وأخلاقية
واجتماعية وغيرها، لتتضافر الأدلة على استحالة نجاح العلمانية الشاملة أو الجزئية
في البلدان الإسلامية.
ك- تقديم المفاهيم الاقتصادية المعاصرة في ضوء المعرفة الاقتصادية الإسلامية،
لبيان
حجم المخاطر القائمة والمتوقعة ومحاصرتها، من جانب، والإفادة من الجديد واستثماره
إن أمكن بعد فحص عدم معارضته لأصول النظر الاقتصادي الإسلامي من جانب آخر.
ل- إيجاد مصطلحات جديدة لمفاهيم اقتصادية إسلامية تراثية تعين على طرح المفاهيم
هذه
في صورة عصرية واضحة من جانب، والتغلب على الفجوات المعجمية لما يظهر من مفاهيم
اقتصادية معاصرة بوضع مصطلحات ملائمة تعين على تأمل أمرها من شكل المصطلح الخارجي،
ثم الحكم علىه برده أو قبوله.
م- المساعدة في بناء تراكم معرفي أو قاعدة علمية تعين على إعادة تقديم الاقتصاد
الإسلامي وتيسر عملية تعلىمه بين المشتغلين به تعلىما وتعلما.
فهذه مجموعة من الأهداف الأساسية التي تسعى مجموعة المعاجم هذه إلى تحقيقها
منهجية ترتيب المصطلحات في معاجم مصطلحات
الاقتصاد الإسلامي المعاصرة
وقد حكمت هذه الأهداف السابقة منهجية ترتيب المصطلحات في معاجم مصطلحات الاقتصاد
الإسلامي المعاصرة، فظهر منهجان حكما هذا الترتيب هما:
أ- منهج الترتيب الألفبائي الهجائي غير التجريدي.
ب- منهج الترتيب الموضوعي.
و قد جاء على المنهج الألفبائي معجمان هما:
1- قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، د.محمد عمارة.
2- معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، د.نزيه حماد.
وقد كان الوعي بأهمية هذا المنهج حاضرا في هذين المعجمين، حيث حرصا على توفير
التيسير للمستعملين انطلاقا من وعي معجمي يرعى ما يسمى في المعجمية المعاصرة
بمنظور
المستعمل، ويرعى من جانب آخر مهم جدا خلقا إسلاميا يتمثل في التيسير على الخلق،
واستثمار تطبيقاته في هذا الميدان.
وقد ظهر هذا الوعي بفوائد هذا المنهج الألفبائي غير التجريدي في بعض ما قُدم به
بين
يدي بعض المعاجم التي طبقته، يقول د.محمد عمارة في مقدمة معجمه (ص21) «فلقد آثرنا
ترتيب مواده على النحو الذي ييسر الاستفادة منه والانتفاع به لأوسع جمهرة من
الباحثين والقراء».
ثم يعود فيقرر (ص22) «ولعل في هذا التيسير ما يعين على أن ينهض هذا القاموس
بالرسالة الفكرية والحضارية التي ابتغيناها من وراء وضعه إن شاء الله».
أما الاتجاه الثاني (ب) فقد رتبت المصطلحات فيه ترتيبا راعى بناء نظرية اقتصادية
إسلامية بمجموعة المصطلحات التي تصرفت وهو منهج قديم في المعجمية العربية، سمي
أحيانا باسم معاجم المعاني وأحيانا باسم معاجم الموضوعات.
وقد رتبت المصطلحات وفق حقول أو موضوعات أربعة كما يلي:
1- مصطلحات الخلافة (المشكلة الاقتصادية): النعم = الموارد/ والحاجات.
2- مصطلحات الإعمار (الإنتاج): أقسام المال/ العروض.
3- مصطلحات الرزق (توزيع الدخل).
4- مصطلحات السوق (نظرية القيمة).
وقيمة هذا المنهج أنه يعطي المستعمل صورة هيكلية للنظام الاقتصادي تظهر الصلة
العضوية بين المصطلحات المختلفة.
ولم يُضَح المعجم بالتزام هذا المنهج في الترتيب بالمبدأ العام الحاكم في المعجمية
الإسلامية المختصة المعاصرة وهو ما سميناه بمبدأ التيسير على الخلق، حيث حرص صانع
المعجم ومحرره د.يوسف كمال رحمه الله على أن يذيله بفهرس للمصطلحات مرتبة على
الترتيب الهجائي غير التجريدي.
وقد حرصت المعاجم الثلاثة مَشغلة مقالنا هذا على استعمال طريقة شائعة مفيدة في
تعريف المصطلحات، تسمى في أدبيات علم المعجم باسم طريقة التعريف المحكم، أي تعريف
المصطلح بذكر السمات الدلالية المميزة له، والقسمات الفارقة بينه وبين غيره، مع
العناية في أحيان كثيرة بجانب ذلك باستعمال طريقة الشرح بالأمثلة مع العناية ببعض
المعلومات الموسوعية التي تعين على أداء هذه المعاجم أهدافها.
ومن الأمثلة التي تجلي ذلك:
يقول د.محمد عمارة في تعريف مصطلح «الاحتكار» ص 33 «الاحتكار: لغة: الجمع والإمساك
والاحتباس، والحكرة: اسم للاحتكار، والاحتكار شرعا: اشتراء قوت البشر والبهائم
وحبسه انتظارا لغلاء سعره. ولقد اختلف في المدة التي إذا بلغها الاحتكار استوجب
المحتكر عقاب الاحتكار الدنيوي، فقيل: إنها أربعون يوما، وقيل: هي شهر، وقيل هي
أكثر من سنة. أما الإثم الأخروي فغير متوقف على مدة بعينها إذ تكفي فيه نية
الاحتكار.
ففي هذا التعريف حرص الشارح على بيان ما يلي:
1- السمات الدلالية المائزة التي تبين عين الاحتكار بما في ذلك المدة المعتبرة
التي
يصير فيها حابس الطعام محتكرا.
2- المعنى اللغوي في مفتتح التعريف للإعانة على إدراك المعنى الاصطلاحي بعدما تخصص
من المعنى اللغوي العام.
وقد قام أصحاب معاجم مصطلحات الاقتصاد الإسلامي على توثيق مادة معاجمهم فرجعوا إلى
عدد كبير من المصادر الأصيلة التي توزعت على أربعة أنواع هي:
1- معاجم مصطلحات تراثية (كالتعريفات للجرجاني ومفاتيح العلوم للخوارزمي، والمصباح
المنير للفيومي وتحرير التنبيه للنووي والتوقيف للمناوي...الخ).
2- المصنفات الفقهية المختلفة تراثية وغير تراثية موزعة على المذاهب الفقهية
المتعددة بما فيها الموسوعات وأعمال المؤتمرات الفقهية...الخ.
3- المعاجم العامة اللغوية القديمة والحديثة
.
حاجة الاقتصاد الإسلامي إلى معاجم جديدة
وإلى تطوير معاجمه الموجودة
والحق يقتضي أن نقرر أن الاقتصاد الإسلامي بما يواجهه من تحديات في حاجة إلى
معاجم تعنى بمصطلحاته تعريفا وشرحا وتمثيلا وفي حاجة إلى تطوير ما هو موجود منها
بزيادة مداخله ومراجعة مادته، وتحديثها، وخدمته بما هو مستقر في المعجمية
المعاصرة،
لتيسير استعمالها.
وقد كان لغياب عدد من المصادر التراثية المعنية بالمصطلح الاقتصادي الإسلامي أثره
في غياب عدد كبير من هذه المعاجم المعاصرة، وفيما يلي أمثلة لها:
> الاستيفاء، أخل به عمارة، وهو العلم بقوانين يعرف بها ضبط مداخل أموال الديوان
وإخراجاتها لكيفيات المحاسبات وكمياتها.
> التلجئة، أخل به عمارة، وهو تسليم الضعيف ضيعته إلى قوي ليحامي عليها.
> الحشري، أخل به عمارة ونزيه حماد، وهو ميراث من لا وارث له.
> العريضة، أخل به عمارة ونزيه حماد، وهو شبيه بالتأريخ.
وهذه أمثلة أردنا من وراء إيرادها بيان الحاجة الماسة إلى استمرار التطوير
والتحديث
من جانب والحاجة إلى إيجاد معاجم جديدة ترعى مطالب المصطلح الاقتصادي الإسلامي،
لتبرهن على وضاءة وجه طالما غبرته رياح الهيمنة الغربية المخاصمة لديننا وأمتنا
وأوطاننا.
المراجع
1- قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، د.محمد عمارة، دار الشروق،
القاهرة وبيروت 1413هـ= 1993م (ص 17)
2- انظر هذه التوصيات في: النظام الاقتصادي في الإسلام: مبادئه وأهدافه د.أحمد
العسال ود.فتحي أحمد عبدالكريم
مكتبة وهبة 1421هـ= 2001م (ص 167-168)
3- نحو منهج لتنظيم المصطلح الشرعي: مدخل معرفي معلوماتي، طبعة المعهد العالمي
للفكر الإسلامي بالقاهرة سنة 1417هـ= 1997م ص 170
________________________________
--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups
"Kantakji Group" group.
To post to this group, send email to [email protected]
To unsubscribe from this group لفك الاشتراك من المجموعة أرسل للعنوان التالي
رسالة فارغة, send email to [email protected]
For more options, visit this group at
http://groups.google.com/group/kantakjigroup?hl=en
سياسة النشر في المجموعة:
- ترك ما عارض أهل السنة والجماعة.
- الاكتفاء بأمور ذات علاقة بالاقتصاد الإسلامي وعلومه ولو بالشيء البسيط. ويستثنى
من هذا مايتعلق بالشأن
العام على مستوى الأمة كحدث غزة مثلا.
- عدم ذكر ما يتعلق بشخص طبيعي أو اعتباري بعينه. باستثناء الأمر العام الذي يهم
عامة المسلمين.
- تمرير بعض الأشياء الخفيفة المسلية ضمن قواعد الأدب وخاصة منها التي تأتي من
أعضاء لا يشاركون عادة، والقصد من ذلك تشجيعهم على التفاعل الإيجابي.
- ترك المديح الشخصي.