لا لتأليه العسكر!*

بقلم : عبد القادر ولد الصيام

http://kiffa.jeeran.com/archive/2007/2/151775.html

 

رغم شهرة مقولة الكاتب الجزائري"مالك بن نبي" عن "قابليتنا للاستعمار" الا أن 
بعضنا لا يكتفي بذلك حتى يثبت لنا-كل يوم-أنه  لا  ينطبق علينا ذلك فحسب 
بل نحن أقل شانا من ذلك , فالقابلية انما يتصف بها من يمكنه الاتصاف بضدها 
(الممانعة  و الرفض, أوعدم  القابلية : ذاتيا أو موضوعيا), و اننا 
"أحجار على رقعة الشطرنج" , وكالريشة في مهب الريح!, وكالأطفال نصدق ما يقال دون 
اثبات أو برهان.

 

ومن آخر هؤلاء الذين طلعوا علينا ببعض هذه الأفكار , و في أجواء غير مناسبة 
أستاذنا الدكتور : حماه الله ولد السالم في مقاله الاخير ( الجيش "حارسا" لقيم 
الجمهورية )  و الذي قدم له بمقدمات حاول من خلالها بناء نتائج لم يسعفه حسن 
أسلوبه  ومعرفته التاريخية الواسعة  ومنطقه في الاقناع بها , رغم أنه 
–كمفكر- خاطب نفسه –قائلا-:"هل يحق لنا اليوم الحديث عن ضرورة جعل الجيش حاميا 
لقيم الجمهورية , وتقنين ذلك دستوريا"؟؟ ضاربا مثالا للدولة التركية مستنتجا 
أن  "... هناك ديمقراطية جيدة وفعالة يتابعها مجلس اعلى للدفاع و الأمن , من 
كبار رجال الجيش ومؤسسات الدفاع الأخرى و الأمن".

 

ولعل مؤرخنا الكبير نسي –أوتناسى- بعض الحقائق التاريخية المتعلقة بالمؤسسة 
العسكرية في تركيا, فرغم اشتراكها مع مؤسستنا في "...دعم رجال الأعمال الكبار 
ووسائل الاعلام التي تلعب دورا أساسيا في اعداد وتهيئة الشارع للانقلابات العسكرية 
و بأساليب ذكية " كما يقول الصحفي التركي "حسني محلي" و اشتراكها معها في تاريخ 
الانقلابات ( غير المبررة غالبا ) الا أن ما حدث في تركيا كان نتيجة لعوامل كثيرة 
أهمها :سقوط الامبراطورية (الخلافة ) العثمانية , وانتهاء الحرب العالمية الأولى , 
و ما أعقب ذلك من حرب ثانية وأخرى " باردة" جعلت من تركيا  "بوابة جنوبية" 
للاتحاد السوفياتي و بوابة "شرقية"لأوروبا و ما تقاطع عندها  من مصالح فرض 
وجود "شريك قوي" فأفرزت المعادلة السياسية ظهور الجيش, واستفراده بالسلطة 
 فحكم بالحديد والنار,  ولم يدّع الديمقراطية والاصلاح-عكس مجلسنا 
الموقر !.

 

وفي الوقت الذي تحاول  فيه تركيا التخلص من "الارث العسكري" البغيض وتقليل 
صلاحيات العسكر يسعى مثقفونا  "الذين جربنا بعضهم" الى اعطاء العسكر أكثر مما 
يتوقعه العسكر أنفسهم ! , ذلك أن تركيا –وبعد الاصلاحات التي قام بها رئيسا 
الوزاراء:"بولند اجويت"و "رجب طيب أردوغان" استطاعت أن تحجم دور مجلس الأمن القومي 
وتقليل نفوذ العسكر فيه, فقلصت عدد أعضائه الى أربعة عشر(14) عضوا (منهم تسعة 
مدنيون , و خمسة عسكريون), بعد أن كان عدد المدنيين فيه لا يتجاوز أربعة (4) فقط 
من أصل سبعين (70), كما أن قرارات المجلس لم تعد ملزمة للحكومة , وان أمينه العام 
مدني يتبع لرئيس الوزراء.

 

هل يريد كاتبنا أن نستفيد من تجاربنا الماضية  و تجارب الآخرين , أم 
أنه  لا بد لنا من الرجوع الى ما تركه الناس وطرحوه حتى نجرب ما جربوه ! وهل 
يعلم كاتبنا أن الجيش التركي قام بأربعة انقلابات ضد حكومات مدنية منتخبة لا لشئ 
الا لأنه لم يعجبه تصريفها للامور العامة , حيث قام بأول انقلاب في 27 مايو 1960 , 
وقد كان انقلابا دمويا أطاح بحكومة "عدنان مندريس" الذي حوكم و أعدم مع ثلاثة من 
وزرائه  بتهم واهية!

 

 وقد  عاود الجنرالات  الكرة في مارس 1961 دعما لليمين على حساب 
اليسار, ثم استخدموا التمرد الكردي في سبتمبر 1980 ليحكم "كنعان افرين" البلاد سبع 
سنوات عجاف , وقام بصياغة دستور غريب لا تزال تركيا تعاني من آثاره , ومن أغربها 
"الاعتراف لقادة الانقلاب بحصانة دستورية الى الأبد!!!" فهل هذا ما يريده كاتبنا 
الفاضل و أحجم عن التصريح به!؟

 

أما آخر انقلابات  العسكر الأتراك فهو انقلاب فبراير 1994 –وهو انقلاب شكلي- 
أخرج فيه الجيش الدبابات الى الشوارع , من أجل ارغام رئيس الوزراء "نجم الدين 
أربكان" على الاستقالة قبل وصول الدبابات الى مقر رئاسة الحكومة!

 

ان العسكر –في عالمنا العربي-هم الداء وليسوا الدواء,  هم المشكلة وليسوا 
الحل , وهم سبب كل الهزائم والانتكاسات الوطنية والقومية , و هم الذين لا يزالون 
جاثمين على صدور شعوبهم , رافضين التسليم بسنة التغيير و منطق التداول للسلطة , 
وان خلع بعضهم قبعته وخوذته , ورمى خفّه , ولبس "البدلة الفاخرة" على طريقة 
"التغيير في ظل الاستقرار".

 

هل يريد كاتبنا تكرار الانقلابات العسكرية –كما ذكر في المقال- :"..وعندما عجز 
العسكر مرة أخرى تدخل الجيش "فهل الجيش غير العسكر؟ , واذا لم ينجح عسكر ال3 أغشت 
في الوفاء بكافة التزاماتهم فهل يتدخل "جيش آخر" ؟ وما الذي يضمن وفاء ذلك الجيش 
بتعهداته؟ ألا تنافي كل تلك الانقلابات كون الجيش:"... المؤسسة الوحيدة التي ظلت 
تحوز قدرا أدنى  من التنظيم و التماسك و الفاعلية.."؟ كما يرى كاتبنا الكبير.

 

لو كان العسكر زهادا ك"ابن المبارك" لما جاز لنا أن نطالب بما يدعو اليه الكاتب! 
فكيف وهم الذين  ندموا  على العهود  التي قطعوها و حاولوا "اعادة 
صياغة المرحلة الانتقالية وتمديدها" من خلال عروض سخية (عطاء من لا يملك لمن لا 
يستحق) ليشكلوا حكومة "انتقالية أخرى" تضمن لهم الاحتفاظ بزمام الأمور , وتطعم بعض 
المدنيين من فتات السلطة والمخزن , لكن زلات لسان رئيس المجلس العسكري  أنقذت 
المدنيين مرتين , كان آخرهما "خطاب الحياد" أمام العمد, فانقلب السحر على الساحر , 
و رجع العسكر – والحمد لله –بخفي حنين, بعد ما اتفق الجميع على أن لا مناص من 
تسليم السلطة للمدنيين دون تأخير !.

 

لو كان كاتبنا يسعى الى زيادة الانفاق على هذه المؤسسة المهمة و زيادة رواتب 
منتسبيها و تحسين ظروفهم المعيشية و الصحية لصفقنا لذلك , لكن أن يدعو الى تأليه 
العسكر و تقنين ذلك-دستوريا- و جعلهم فوق المساءلة فتلك  مسألة نرفضها , 
وينبغي أن يرفضها كل عاقل مخلص للوطن, ذلك لكون هذه  المؤسسة دأبت –بحكم 
القوة والتسلط- على الولاء المطلق لصاحب النعمة والفضل ,و اذا كان  الكاتب 
يرى أن الجيش "لا يكون جيشا الا بحضور أعراف المؤسسة العسكرية المحترمة المفصولة 
عن التحزب و الفئوية و الولاءات الريفية المتناقضة و منطق الدولة و مصالح المجموع" 
 فاننا نسأله أين تلك المواصفات في مؤسساتنا العسكرية و الأمنية التي يدعو 
الى تشريفها؟.

 

هل يعلم أستاذنا بأن "قبائل" وجهات عديدة تم منع أفرادها من المشاركة في امتحانات 
دخول الجيش ....؟ كما منع أفرادها من "الترقي" و المنح والتدريبات العسكرية!!ألم 
يصبح الجيش و-مثله الشرطة- حكرا على مجموعات قبلية وعرقية وجهات محددة , و أحيانا 
كثيرة عشائر و مدن لا تقبل بدخول غيرها و لا تسمح بتنازلها عن ملكها وممتلكلتها؟!

 

أ يدعونا الكاتب الى تمجيد وتاليه ذلك الجيش و تلك الشرطة ؟و أين هي السياسات 
الوطنية للجيش الذي قام قائده الأعلى السابق بتدمير دباباته "دبابة  دبابة" ! 
كما قام  بتقسيم كتيبة الدروع الى ثلاثة أقسام ( ما تبقى من الدبابات التي 
دمرت نظيراتها من دون سلاح, ومدفعية بدون سلاح , وسلاح بدون دبابات ولا مدفعية!) 
خوفا من محاولات التمرد, و دون مراعاة لمصالح البلاد الاسترتيجية والدفاعية! دون 
أن ينكر ذلك مثقفونا وساستنا الأفاضل!!

 

وعلى ذكر تدمير الدبابات و التصفيات العرقية والجهوية في الجيش ,  وبدلا من 
تمجيد "العسكر الكبار" لماذا لا يدافع كتّابنا عن المجموعات المفصولة  من 
الضباط  ظلما و عدوانا ومنهم المجموعة المشمولة بالملف 32/2005 لدى المحكمة 
العليا , والذي تم اخفاؤه أياما قبل النطق بالحكم فيه يوم 14أغشت 2006 , وهو الحكم 
الذي كان سيعيد هؤلاء الى أماكن عملهم ويعيد لهم رواتبهم و رتبهم واستحقاقاتهم 
المهنية والوظيفية, لكنه اختفى دون رجعة!! أ بعد ذلك كله يحق للكاتب أو 
لغيره  الدعوة الى "انزال العسكر منازلهم التي يحبون"؟

 

ان المؤسسة العسكرية و الأمنية جزء – لا يتجزأ من تركيبة  النظام السياسي , 
ولها أدوارها المحددة و التي لا ينبغي لها تجاوزها , وهي مستثناة من العمل السياسي 
, اذ يجب عليها "الحياد" بين كافة الأطراف السياسية , و لا ينبغي لها التدخل في 
ارادة الشعب و سياسته ومن يحكمه سوى ما يتعلق بحماية الأمن و الدفاع عن الوطن و 
المواطنين, ومن أراد أن يشتغل من أفرادها بالسياسة فله ذلك بشرط التقاعد أو 
الاستقالة , وربما الاقالة كما حدث لقائد القوات السابق السيد : العربي ولد 
جدين,  الذي أحاله "المجلس العسكري" الى التقاعد واستطاع ضمان دخول البرلمان 
القادم ممثلا لمقاطعة شنقيط التاريخية رمز العلم والحضارة, أما تمجيد العسكر و 
تأليههم بدون سبب فهو افتراء و ظلم ينبغي التبرء منه و المجاهرة برفضه, لأنهم 
مواطنون يخدمون الوطن –كغيرهم- وليست لهم صفات و لا ميزات خاصة –غير تلك التي 
يحددها القانون.

 

و ختاما فانه "..آن للثقافة الموريتانية أن تحصّن نفسها من بأس الشقاق و النفاق 
والكذب والدجل و اللمز و الغمز..." كما يرى أستاذنا الكبير في خطابه بمناسبة 
استلام جائزة الدولة التقديرية "جائزة شنقيط" والتي يستحقها و بجدارة , ويستحق 
علينا أن نهنأه عليها و نتمنى له المزيد من العطاء , أما تأليه العسكر ,  و 
تحصينهم من المساءلة و الانتقاد في ما أخطأوا فيه- أحرى ما تعمدوه - فظلم و باطل 
ينبغى الصدع بمعارضته , وتبين الحق فيه و تنبيه من يدعو اليه  , و التشهير به 
ان لم ينته عما نسب اليه , و الحق أحق أن يتبع , وماذا بعد الحق الا الضلال ..؟!.

-----   

 

*رد على مقال الدكتور : حماه الله ولد السالم المنشور في موقع الدرب تحت عنوان:( 
الجيش " حارسا" لقيّم الجمهورية(.., ولقراءة المقال الاصلي يرجى زيارة الرابط 
التالي:

 

               
 http://www.eddarb.com/modules/news/article.php?storyid=1074

 

 

 

 



_________________________________________________
فتاة تحت العشرين جمال أناقة وأزياء، مشكلة وحل ، آخر أخبار الفنانين وبرجكِ 
الشهري في تحت العشرين.
http://helwa.maktoob.com/under20/index_20.aspx
_______________________________________________
M-net mailing list
[email protected]
http://mauritanie-net.com/mailman/listinfo/m-net_mauritanie-net.com

Répondre à