تاريخ النشر: 09/09/2009 - 11:49 ص
أنس محمد منيب إدلبي
مواليد 1978 _ سوريا، حمص
الوحشة، وثوب الليل المزركش بحبات الماس اللامعة، وبعضُ قوسٍ فضيٍّ يتدلى من
القبّة السوداء، كلُّ هؤلاء وقفوا صامتين هادئين، وهو يتفقد أحلامه واحداً..
واحداً، من على شرفة الغرفة، ويفرك شعر رأسه بقسوة كلما تيقن من غرق الحلم في لجة
الليل إلى غير عودة. البرد الخفيفُ في الليل يعرف كيف يتسلل إلى عظامه، وهو يعرف
بالمقابل كيف يستسلم لغزواته.
هكذا تماماً استسلم أخيراً، واتجه إلى التلفزيون ليعدَّ لنفسه وجبةً سمّيَّةً
من نشرات الأخبار المتلاحقة، والتي تطلبه حثيثةً لتملأ رأسه بفجائعيّتها.
أخبار قطاع غزة لا تهمه كثيراً، إنه يعرف عنها أكثر بكثير مما تختصره أو تحرّفه
المحطات الفضائية، حتى الصديقة منها، فعندما كانت تلك المحطات تظن أو تدّعي أن
الدبابات الإسرائيلية تغادر خان يونس، كان قطيع من تلك الدبابات يتسكع أمام مدخل
الحارة، وفوهة مدفع إحداها تتلصص من شباك غرفته على حركته المحسوبة بدقة داخل
الغرفة، الغرفة الخاوية على عروشها، إلا من بعض الضروريات جداً، وسريرٍ خشبي هرم،
بينما تشغل رفوف الكتب الكثيرة كامل مساحة الجدران. نشرة الأخبار لم ترحمه من سرد
أحداث الموت المعتاد في غزة، والمعتاد جداً، حد الكآبة واليأس.
استغفل نشرة الأخبار، ليفتح باب الغرفة بعد طرقات خفيفة .
ـ مرحباً عصام.
ـ أهلاً أحمد، تفضل.
ـ أيقظتك من حلمٍ جميل ؟
ـ ومن أين لي بالنوم.!
على طرف السرير جلسا، وما لبثا أن بدأا يرسمان بعض دوائر وخطوط متوازية ومتقاطعة
على أوراق أتلفا الكثير منها قبل أن يحتفظ عصام بعدة أوراق على أحد الرفوف، فيما
كان مذيع النشرة الإخبارية – وبحيادية مطلقة – يحرك شفتيه وحاجبيه دون صوت.
ـ تفضل أستاذ عصام، اعمل لنا القهوة، منذ متى وأنت بخيل هكذا ؟
ضحك عصام وهو يجمع الأوراق الممزقة المتناثرة على السرير والأرض، ليرميها في سلة
قرب السرير، ويقول مهموماً:
ـ بالي مشغول، المشهد الأخير لم ينفَّذ حتى الآن بجودة، إذا لم ينجح الأولاد في
البروفة الرئيسية غداً، لن أذهب بهم إلى المهرجان.
ـ يا إلهي كم أنت متردد! لقد أرهقتهم من كثرة التدريبات على مسرحية في غاية
البساطة!
ـ الخوف في البساطة يا أحمد.
القهوة التي بدأت تفور على غاز صغير نشرت في جو الغرفة بخاراً راقصاً، سرعان ما
نشر عبقاً فواحاً، فيما كان ضوء الصبح الوليد يشطر الغرفة نصفين، أحدهما جنائزيٌّ
تعكسه ملامح وجهيهما. وقفا على الشرفة المتهالكة، والشارع يمتد أمام عيونهما،
أسود مغبراً، لا يشي بشيءٍ، إلا الترقب الخائف والكآبة الطاغية.
ـ حتى الآن، ورغم تعبهم، لم يستطع الأولاد تجسيد مشهد استشهاد الطفل الصغير كما
يجب.
قالها عصام بيأس، وهو يرتشف من فنجان قهوته الباردة.
ـ هذا المشهد له رهبة موجعة في نفوسهم، يشاهدونه في كل يوم حقيقةً واقعة، ومع
ذلك، لا تقلق عليهم، لن يعجزوا عن أدائه.
الأزقة الضيقة المتفرعة من الشارع الطويل، بدأت إرسال المستيقظين باكراً إلى
وجهاتهم، بعد أن يعبروا من رصيف إلى آخر، وعصام يرسل عينيه في الأفق البعيد، كأنه
يتفقد المآذن وأسطح المنازل التي بدأت تفسح في المشهد الخلفي متسعاً للشمس الصاعدة
ببطء، كأنما هي الأخرى تتفقد ما خبأته من أحزان ودموع في غروب أمس بين جنبات
المنازل المتصدعة البائسة.
في باحة المدرسة، كان صراخ عصام يكاد يقطع حباله الصوتية، ويقف الأولاد
مبهوتين، عاجزين عن إرضائه.
ـ هذا أهم مشهد، وأنتم تؤدونه بإحساس ضعيف، أنتم تمثلون، وما أريده هو إحساس
حقيقي بالمشهد، هل منكم أحدٌ لم ير مشهداً كهذا من قبل؟
صمتهم وحيرتهم جعلاه يرتمي على الأرض بانهيار، مسنداً ظهره إلى الجدار، وهو
يلفُّ رأسه بكلتا يديه بحزنٍ وانزعاج.
ـ عصام، أنت تضغط على الأولاد كثيراً، يا أخي، لا تنس أنهم يتعرّفون على المسرح
لأول مرة، هل تتوقع أن يؤدوا أداء المحترفين ؟ شجعهم يا رجل.
كلمات أحمد الهامسة في أذنه جعلته يهز رأسه باستسلام.
لحظات، ويهب كتلةً واحدة:
ـ يا الله يا شباب، بروفة أخيرة، وأنا واثق أنكم ستكونون أفضل.
مع تكبيرات أذان الفجر، كانت الساعةُ الكاملة التي قضاها عصام مع الضابط
الإسرائيلي غير كافية لحسم جدالهما، إلى أن حسمته مكالمةٌ تليفونية أخيراً، وضع
الضابط السماعة بنزق:
ـ سنقوم بتفتيش الحافلة قبل أن تنطلق إلى أورشليم.
ـ فتّشوا على هواكم، نحن فرقة مسرحية، ولسنا كتيبة مقاتلين، حتى ديكور ليس معنا.
ـ غريب أمركم! فتشوا عن طعامكم، بدل أن تضيعوا وقتكم في المسرحيات، هذه الأمور
ليست لأمثالكم، يا همج.
لم يرد عصام على تهكّم الضابط الإسرائيلي الانفعالي، ابتسم بسخرية متألمة، بينما
كان الجنود يترجلون للتوّ من الحافلة، تاركين بقايا خوف وراءهم بين المقاعد وعلى
وجوه الأولاد، التي بدأت تستقبل شمس الصباح بإشراق.
الطريق إلى القدس أطول بكثيرٍ مما ظنَّ الأولاد، وشجيرات الليمون والزيتون كانت
تسلمهم إلى بعضها برشاقة وحيوية، بينما توقفهم عشرات الحواجز العسكرية أمامها
مستسلمين لعمليات التفتيش الدقيقة والاستفزازية، وكانت كفيلةً بوصولهم قبل موعد
العرض بدقائق قليلة.
الكنيسةُ القديمة، وأحجار ساحتها البازلتية الناعمة، وناقوسها الساكن بمهابة، وعلى
مقربة منه مئذنة جامع عتيق، كل هؤلاء وقفوا صامتين هادئين، تماماً كما وقف الجنود
وأسلحتهم حول سور الكنيسة مترقبين صامتين.
وحده قلب عصام كان يضج بضرباتٍ خائفةٍ قلقة، والأولاد على المنصة الخشبية التي
تتوسط ساحة الكنيسة يتخلصون رويداً.. رويداً من ارتباكهم، حتى زال أخيراً على وقع
تصفيق الجمهور القليل، عندما بدأ أصغرُهم وأنشطُهم على الخشبة يمزق العلم بخطوطه
الزرق الكئيبة، ويدوسه بقدميه.
كل شيءٍ في تلك اللحظة بدا عادياً وأزليّاً، كما حجارة الكنيسة والمئذنة، إلا قلب
عصام، الذي بدأت طبوله تجرده من تماسكه، وبدأت قدماه ترتعشان على نحو غامض، كأنما
هو في حضرة الزلزال.
التفت إلى أحمد، ليذكّره بصوت الطلقة المفترض، وقبل أن يضغط أحمد على زر آلة
التسجيل، كان أزيز طلقةٍ مفاجئٍ يشقُّ مهابة التصفيق الحاد المتواصل.
تلاقت عيون عصام وأحمد الجامدة في محاجرها بحالة دهشة وسؤال متبادل، أجاب عنه
الصمتُ الذي دهم فضاء الساحة، وصرخاتُ الأولاد على الخشبة وهم يرتمون على أصغرهم
بعفويةٍ وجنون صاعق، فيما كانت قطراتُ دمٍ فتيةٌ حارةٌ تنهمر بغزارة على الخشبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*القصة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة القصة الشبابية التي أطلقتها مؤسسة
فلسطين للثقافة
_________________________________________________________________
Hotmail: Powerful Free email with security by Microsoft.
http://clk.atdmt.com/GBL/go/171222986/direct/01/
--~--~---------~--~----~------------~-------~--~----~
You received this message because you are subscribed to the Google Groups
"nas_sokkar" group.
To post to this group, send email to [email protected]
To unsubscribe from this group, send email to
[email protected]
For more options, visit this group at
http://groups.google.com/group/nas_sokkar?hl=en
-~----------~----~----~----~------~----~------~--~---