لقد "حشرت" القيادة المصرية نفسها في أدوار لم تكن تلزمها، وكانت الحكمة تقتضي أن تحتفظ بمسافة أمنية وسياسية عن مجرياتها وحساباتها، لكن الهرولة من أجل إثبات الحضور وإثبات أننا نمتلك أوراق لعب في المنطقة هي في الحقيقة ليست في أيدينا وإنما على الشجرة!، ورط بلادنا في سلسلة من الإهانات والإحراجات، وصلت بها إلى هذا الوضع البائس الذي رأيناه في واقعة طرد عضو القيادة السياسية لحركة حماس.
مع بدء العدوان الإسرائيلي على بيروت أصدرت جهة مجهولة في مصر أوامرها بطرد السيد محمد نزال عضو المكتب السياسي لحركة حماس من مصر، وتلقى الرجل أوامر صريحة بمغادرة القاهرة فورا وخلال ساعات وألغت السلطات مؤتمره الصحفي الذي كان قد رتب عقده في نقابة الصحفيين، في تلك الأثناء كان مكتب محمد نزال في بيروت يتم تدميره بالكامل من قبل الطيران الإسرائيلي بالإضافة إلى مكتب أسامة حمدان ممثل حماس في لبنان، التصريحات الرسمية المصرية الخجلى قالت أن مصر طلبت من نزال مغادرة البلاد لأن حياته معرضة للخطر وأن مصر لا تضمن حمايته على أراضيها، هذا هو المنشور.

وقد انتظرت أن يصدر أي بيان آخر يستدرك هذا "العار" الذي قيل، فلم أسمع ولم أقرأ مع الأسف، رغم أنه نشر على نطاق واسع وأعادته قنوات إخبارية دولية، بيان مصري يقول بالفم الملآن أن مصر لا تستطيع أن تحمي ضيوفها الرسميين، أعتقد أننا لو كنا في "جزر القمر" أو "بوروندي" لاستحت الدولة هناك أن تقول مثل هذا الكلام المهين والجارح للسيادة الوطنية، فما بالنا نسمع هذا الكلام في القاهرة للمرة الأولى في تاريخ مصر القديم والحديث، محمد نزال كان في القاهرة بدعوة رسمية لمقابلة اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة والوزير برئاسة الجمهورية، وفجأة بعد ساعات من وصوله إلى القاهرة جاءه الأمر "الغامض" بمغادرة البلاد على الفور، بطبيعة الحال لم يستطع محمد نزال أن يعود إلى بيروت، لأن المطار مغلق من آثار القصف الهمجي كما أن مكتبه دمر بالكامل، وعاد الرجل إلى سوريا، ربما لاعتقاد الحكومة المصرية بأنه في سوريا سيكون أكثر أمنا على حياته من مصر.

بطبيعة الحال محمد نزال لا يتعرض لتهديد من أي جهة على الإطلاق إلا جهة واحدة، وهي الكيان الصهيوني، فهل حقيقة تشعر مصر بالخوف من "جرأة" الاستخبارات الصهيونية على تصفية نزال في القاهرة ، هل مصر عاجزة عن حماية ضيفها لعدة أيام من مخاطر الاغتيال، وهل من المتصور أن تكون مهانة مصر قد وصلت إلى هذا الحد الذي يمكن فيه تصور أن تستبيح شوارعها وفنادقها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، في تقديري أن الأمر لا يخلو من ارتباك في رأس هرم السلطة في مصر.

إن هناك جهة ما عنفت القيادة المصرية على استضافة محمد نزال في هذا الوقت واعتبرت ذلك موقفا مؤذيا لها، فعلى الفور قررت مصر إبعاد نزال استجابة لضغوط مطالب هذه الجهة صاحبة السطوة والهيمنة، ولما رأت القيادة المصرية أن إبعاد نزال وفق هذه الصورة سيكون مخزيا، أرادت أن تكحل الوضع فأعمته كما يقولون، فاختارت عذرا أقبح من الذنب نفسه، وأهان البيان الذي صدر من جهة غير حصيفة ولا عاقلة مصر وأجهزتها وسيادتها.

لقد "حشرت" القيادة المصرية نفسها في أدوار لم تكن تلزمها، وكانت الحكمة تقتضي أن تحتفظ بمسافة أمنية وسياسية عن مجرياتها وحساباتها، لكن الهرولة من أجل إثبات الحضور وإثبات أننا نمتلك أوراق لعب في المنطقة هي في الحقيقة ليست في أيدينا وإنما على الشجرة!، ورط بلادنا في سلسلة من الإهانات والإحراجات، وصلت بها إلى هذا الوضع البائس الذي رأيناه في واقعة طرد عضو القيادة السياسية لحركة حماس.

بقلم جمال سلطان



--~--~---------~--~----~------------~-------~--~----~
-~----------~----~----~----~------~----~------~--~---

رد على