|
تباينت افتتاحيات الصحافة السعودية في
الأيام الفائتة، في طريقة تناولها للاوضاع اللبنانية. فبينما كانت ردود
فعل بعضها مؤيدة ومتعاطفة مع عملية حزب الله، التي اسرت فيها جنديين
اسرائيليين، تحولت في الأيام التالية الى ناقدة لتصرف حزب الله الفردي.
فصحيفة «الوطن» التي أفردت افتتاحيتها، في عشية الأحداث، واصفة عملية حزب
الله بانها «أمر بديهي» تحت عنوان «اسرائيل تهدد الأمن والاستقرار
الدوليين»، كتبت «أسر جنود في اشتباكات عسكرية أمر بديهي لا يستدعي حروباً
شاملة، بل قد يكون أداة في أيدي الساسة الحكماء لامتلاك فرص ومفاتيح
التفاوض على حلول سياسية، ليس من اجل اطلاق الأسرى، بل نحو تسويات سياسية».
وأضافت الصحيفة في ختام رأيها «فهل يدرك
الساسة المؤثرون واجباتهم، أم تترك الغرائز لتأخذ مداها الواسع؟ الاجابة
في واشنطن ونيويورك والعواصم الأوروبية. واذا لم تأت الاجابة الملائمة
فالجواب سيكون في ايدي الجنود والمقاومين العرب».
غير أن الصحيفة عادت في افتتاحيات لاحقة
لتهدئة وتيرة التعاطف والتنبيه الى الأسئلة المختفية حول اختطاف الأسرى،
التي كان أهمها وغالبيتها غمزاً في توجهات حزب الله ودوافعه، قائلة «تصريح
رئيس الوزراء اللبناني بأن الحكومة اللبنانية لا علم لها مسبقا بما حدث من
حزب الله، هل يعني ذلك أن هناك جهات أخرى غير الحكومة اللبنانية، التي
يفترض أن يكون حزب الله المشارك بنوابه فيها جزءا من القرار اللبناني،
والمحسوب في خريطة التحالفات على الأرض اللبنانية بأنه على علاقة وثيقة
بسورية وضمن الموالاة، وفي الوقت الذي تتصدر فيه صور آية الله الخميني
مرشد الثورة الإيرانية مكاتب حزب الله في لبنان وتقبع صورة كبيرة له خلف
مكتب السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله؟».
والأسئلة التالية كانت مثل «ما هي الدولة
أو القوة التي تستخدم لبنان ممراً لها، والتي أشار إليها اتفاق الطائف، هل
هي سورية التي كانت قواتها فعلياً في لبنان قبل انسحابها أخيرا بعد اغتيال
رفيق الحريري العام الماضي، أم دولة أخرى تريد أن تنقل مواجهتها مع الغرب
إلى أرض أخرى؟ ولمصلحة من يتم صرف الأنظار عما يجري من حرب طائفية مذهبية
في العراق، فقبل يوم من عملية حزب الله أعلن عدنان الدليمي على رؤوس
الأشهاد أن مائتي ألف من السنة قتلوا في العراق نصفهم بيد قوات الاحتلال
الأميركية والنصف الآخر بيد العراقيين، وأن الحل الوحيد بيد إيران التي
تستطيع أن تلجم قوات الصدر والحكيم المدعومة والمدربة في إيران من استمرار
عملياتها ضد المدنيين في العراق؟».
على ذات النسق، جاءت صحيفة «الجزيرة»
منحازة بالكامل لعملية حزب الله، مؤكدة أنها «اللغة التي تفهمها اسرائيل».
وأفادت في زاوية رأي الجزيرة متحدثة عن اسرائيل «اذ بها تتلقى ضربة موجعة
يؤمل في أن تعيد اليها صوابها، فها هي تواجه مرة أخرى بذات الحادثة التي
هزت كرامة جيشها وشككت في صدقية تفوقها العسكري». وتواصل الصحيفة رأيها
«هذه اللغة التي يتعين أن تفهمها اسرائيل الآن وأن تدرس الموقف بعناية،
وإلا فإن الأحداث ستتجاوزها حقيقة ان هي حاولت التعامل بأسلوب قديم، فهناك
الان منطق واضح وصريح هو منطق المقاومة التي تجعل اسرائيل تتجرع من ذات
السم الذي تسقيه يومياً لابناء الضفة وغزة».
وفي الافتتاحيات اللاحقة في معرض تحليل
الموقف السعودي من الأحداث اللبنانية وصفت العملية بانها تهدف لـ«خدمة
سياسة ذاتية». وأضافت «ملابسات الأحداث التي تشهدها الساحتان اللبنانية
والفلسطينية، والتي تعيش أوضاعاً دامية نتيجة قرارات غير مسؤولة، هدفها
خدمة سياسة ذاتية، متجاوزة أساليب العمل الجماعي الذي يفترض التنسيق
المسبق والأخذ بما ينفع الأمة من دون الاقدام على التورط في مغامرات تعرض
جميع الدول العربية ومنجزاتها للدمار، ومن دون أن يكون لهذه الدول أي رأي
أو قول، خاصة حين يتم ذلك من قبل عناصر داخل الدولة من دون الرجوع الى
السلطة الشرعية في دولها، ما يوجد وضعاً بالغ الخطورة، كما أشار اليه
تصريح المصدر السعودي المسؤول».
وفيما التزمت صحيفتا «عكاظ» و«الرياض»
موقفا محايدا في أحايين ومنتقداً حزب الله في أوقات أخرى، أكدت ذلك
افتتاحياتهما «على أهمية العمل المشترك وعدم الانفراد بقرارات تدفع ثمنها
الشعوب».
وكتبت «عكاظ» «ان صوت العقل يقول ويدعو،
بل ويأمل في أن تعود المنطقة الى حالة الطمأنينة، وان تصبح التهدئة هي
الخيار الوحيد.. حتى لا تتكرر المأساة التي لا تحقق اي شيء سوى صناعة
الازمات، ونحن في امس الحاجة الى التصالح مع انفسنا وتحقيق ما تريده
الشعوب من مستلزمات الحياة ومتطلبات البقاء على أرض الواقع بدون التورط في
معاناة جديدة.. الشعب اللبناني هو اول من يدفع فاتورتها الباهظة».
وعلقت صحيفة «الرياض» بقولها «لبنان غرق
بالحصار والضربات الجوية والأرضية والبحرية، والسبب أن حزب الله اتخذ
قراراً منفرداً بأسر الجنديين الإسرائيليين، من دون النظر للتنسيق مع
الحكومة الشرعية، أو التبعات التي نتجت عن هذا التصرف، وبذلك قالت الحكومة
اللبنانية إنها ليست مسؤولة عن الحادثة، ومع ذلك جاء الرد الإسرائيلي على
نفس طريقته بالعقوبات التدميرية».
واضافت الصحيفة «لا أحد يشك بنوايا تلك
القيادات، ولا آمالها بتحرير أراضيها وأسراها، لكن أن يأتي التصرف من خلال
قراءة خاطئة فهنا الاشكال، والمملكة حين دعت إلى التفريق بين المقاومة
المشروعة والمغامرات غير المحسوبة، لم تكن بمنأى عن أحداث المنطقة، ولو
كانت مواقفها سلبية، لأهملت كل شيء، وأصبحت كغيرها من بعض الدول العربية
التي تقف على الحياد من أي موقف بارد وساخن، ولا تقدم أي دعم مادي ومعنوي».
اما على صعيد المقالات فركز غالبية الكتاب
السعوديين على علاقة حزب الله بايران وسورية، فكتب عبد الله بن بجاد في
صحيفة «الرياض» عن توقيت العملية «ولنستحضر معا أن إيران اليوم تخضع لضغوط
عالمية ضخمة، في ما يتعلق ببرنامجها النووي والعالم يضيّق عليها الخناق كل
يوم، وهي تماطل لأنها تريد الذهاب لطاولة المفاوضات وهي تستعرض أنيابها في
المنطقة وعلى الأرض فماذا صنعت؟ لقد أشعلت «فتنة طائفية» غير مسبوقة بهذه
الدموية من قبل في شوارع بغداد ومناطق العراق، وحرّكت الأجنحة العسكرية
لـ«حماس» في فلسطين لتختطف الجندي الإسرائيلي وتوقد فلسطين بخوراً في
مجمرة الاستراتيجية الإيرانية بعد أشهر من التهدئة اتبعتها «حماس» الداخل،
خصوصاً إذا علمنا أن قيادة «حماس» السياسية ليست في فلسطين وإنما في
سورية! وسورية بدورها انحازت بسياساتها في الآونة الأخيرة انحيازاً زائدا
باتجاه التماهي مع الموقف الإيراني، بعكس ما كانت عليه سياسة الرئيس
السابق حافظ الأسد، الذي كانت سورية تشكل فيه محوراً عربياً قويا مع
السعودية ومصر، وفي إطار هذا الحراك الإيراني! بقيت لإيران ورقة أخرى لم
تلعب بها وهي ورقة «حزب الله»، وهو حزب ترعاه إيران بملايين الدولارات
شهريا منذ سنوات».
فيما كتب قينان الغامدي في صحيفة «الوطن»:
«لا بد أن يفهم الرئيس الإيراني أن تصريحاته النارية المحذرة من أي عدوان
على سورية، لعبة سياسية مكشوفة الأهداف، وإلا فلو كان صادقاً فإن سورية
تدعم وتؤيد حزب الله وتعتبره ذراعها العسكري والسياسي في لبنان، وبالتالي
فإن العدوان الإسرائيلي عليه يعتبر عدواناً على سورية، فلماذا لم تتحرك
طهران، أم إنها تريد دفع سورية إلى مغامرة غير محسوبة لتجني المزيد من
الفوائد السياسية في مواجهتها النووية مع الغرب؟».
وأضاف «لقد شبعت الأمة العربية، بل أتخمت
من التصريحات والعنتريات والمغامرات والمجاملات والمتاجرة بالقضية، بينما
تتفرعن إسرائيل في ظل عجز عربي حتى عن الاعتراف بالأخطاء. وقد جاء الموقف
السعودي الجديد ليعزز وعيها بالمخاطر ويؤكد مصداقيتها مع النفس ومع
الآخرين، ليفتح أفقاً جديداً في العمل العربي السياسي المشترك، أفقاً
يعتمد المصارحة والوضوح ومعالجة الأخطاء بحزم وحسم ولا سبيل للعرب غير هذا
السبيل إن كانوا يريدون فعلاً النهضة والانتصار على أنفسهم أولاً، لأن هذا
الانتصار هو مفتاح الانتصار على العدو. لقد جاء الموقف السعودي ليضع العرب
أمام الحقيقة والمرجو أن يأتي اجتماع وزراء الخارجية العرب ليترجم قدرة
العرب على مواجهة الحقيقة».
|